فوزي آل سيف

112

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

(مؤتة)، فقبض عليه بأمر من هرقل بتهمة الخيانة؛ وكان هرقل على استعداد للإفراج عنه إذا هو عاد إلى المسيحية، ولكن فروة أصرّ على إسلامه، فقتل. إنّ انتشار الإسلام بين نصارى العرب أقضّ مضاجع الروم، وجعلهم يفكرون في القضاء على الدين الجديد قبل أن يستفحل أمره."[327] ولأجل هذا فكر الروم في مواجهة الإسلام في أول حرب تأخذ طابعاً دينيّاً باعتبار أنهم كانوا يرفعون الشعار المسيحي ولا يستبعد هنا أنهم وهم يحشدون ما استطاعوا من القوى جندوا من العرب من كان على حدودهم سواء كانوا يتفقون معهم في الدين أو يتحالفون معهم سياسيّاً، فأمدوا بعض هذه القبائل بمؤونة سنة كاملة لاستقطابهم! نحتمل أن يكون هذا من جملة الأسباب[328]التي دفعت النبي صلى الله عليه وآله - بالإضافة إلى تهديم صنم الفُلس وهو صنم قبيلة طيء - أن يشن غارة استباقية على هذه القبيلة فكان أن بعث ابن عمه عليًّا بن أبي طالب عليه السلام للسيطرة على قبيلة طي، وذلك قبل معركة تبوك بنحو شهرين من الزمان، ومنها ستبدأ قصة عدي بن حاتم الطائي مع الإسلام، فلنترك صاحب السيرة الحلبية يقص علينا ما حدث: "بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليَّ بن أبي طالب في خمسين ومائة رجل من الأنصار على مائة بعير وخمسين فرسا معه راية سوداء ولواء أبيض إلى هدم الفلس والغارة عليهم فشنوا الغارة عليهم مع الفجر فهدموا الفلس وأحرقوه واستاقوا النعَم والشاء والسبي وكان في السبي أخت عدي بن حاتم الطائي واسمها سَفّانة.. "[329] وعندما جيء بها ومن معها إلى المدينة.. أشار لها عليٌّ عليه السلام بأن تكلم النبي صلى الله عليه وآله؛ فلما مر عليها النبي قالت: يا محمد يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن عليَّ منَّ الله عليك ولا تفضحني في قومي فإني بنت سيدهم إن أبي كان يطعم الطعام ويحفظ الجوار ويرعى الذمار ويفك العاني ويشبع الجائع ويكسو العريان ولم يرد طالب حاجة قط أنا بنت حاتم الطائي! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: هذه مكارم الأخلاق حقًّا ولو كان أبوك مسلماً لترحمت عليه خلوا عنها فإن أباها يحب مكارم الأخلاق وإن الله يحب مكارم الأخلاق! وبالفعل فقد منّ عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى قومها ورد لها ولهم ما أخذ منهم! وكان أخوها عديٌّ قد فرّ إلى الشام حين هاجمهم علي بن أبي طالب، فلما رجعت إلى موطنها ورجع أخوها عاتبته وأخبرته بما رأت من النبي صلى الله عليه وآله ونصحته بأن يذهب إلى المدينة ويسلم على يديه. وبالفعل فقد جاء عديٌّ إلى المدينة، فلما التقى بالنبي وسأله من يكون قال: أنا عديٌّ بن حاتم الطائي، فقال: «يا عديّ أخبرك ألا إله إلا الله، فهل من إله إلا الله؟ وأخبرك أن الله تعالى أكبر، فهل من شيء هو أكبر من الله؟» ثم قال: «يا عديّ أسلم تسلم».

--> 327 ) خطاب، محمود شيت: الرسول القائد ص ٣٩٦ 328 ) قال السيد جعفر العاملي في كتابه الصحيح من سيرة النبي الأعظم 26/ 346: أن قبيلة طي كانت مع المسلمين في حالة حرب. وذكر ما نصه: "أن جواسيسهم كانت تراقب تحركات المسلمين، وأن أولئك الجواسيس قد وصلوا إلى المدينة نفسها. وقد عرف عدي بن حاتم رئيس قبيلة طي بمسير المسلمين لهدم صنم عشيرته من جاسوس كان لهم بالمدينة، فغادر المنطقة وترك عشيرته، وذهب إلى الشام. كما أن علياً «عليه السلام» حين سار إليهم وجد عيناً لهم على مسيرة يوم من محالهم، وكانت مهمته هي رصد خيل محمد، حتى إذا رآها طار إليهم، وأخبرهم ليأخذوا حذرهم.." 329 ) الحلبي، نور الدين: السيرة الحلبية ٣/‏٢٨٨